Monday, June 6, 2011

لن أعيش في جلباب أبي




منذ سنوات قام الممثل نور الشريف بالمشاركة في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" ومنه قد اشتققت عنوان مقالتي هذه، وباختصار كان نور الشريف ثائر على كل قيم وأعراف وأسلوب والده في الحياة، والسؤال هو ما هو الشيء المُقدس في حياتنا وما هي الأشياء المُتغيرة؟ وتلك المقدسة، من أين اكتسبت قُدسيتها؟ ومن الذي اكسبها اياها؟ وهل نذكر بعض القيم المُقدسة التي فقدت قُدسيتها مع مرور الوقت؟ ولماذا فقدت تلك القداسة ومن الذي افقدها إياها؟

ترى الكثيرين يحرصون على اقتناء كل ما هو جديد ولبس كل ما هو جديد تماشياً مع الموضة، ولكن ذلك يقبع فقط في عالم المادة، أما في عالم الأفكار فقليلٌ هم من يتحركون بنفس الطريقة ، ويرجع ذلك إلى أن الحكم على المحسوسات أسهل ونتيجته ملموسة بطريقة أوضح من عالم الأفكار، لأن الفكرة ما لم تُترجم تبقى كائناً هلامياً يصعب فهم طبيعته، وخاصة ًأن عملية ترجمتها تحتاج لنظرة قابلة بأن تلتقط ما تحتاجه الفكرة لكي تتحول من كائن هلامي يصعُب لمسه الى شيء محسوس يمكن قياسه، لذا فتغيير الملابس بأخرى جديدة، وسيارة بأخرى أحدث واسرع وأجمل أمر ٌ وارد ، أما الأفكار فلا، وكأن الأصل أن تلك الأفكار مُقدسة وقناعات راسخة لا تتغير ولا أدري من أي بذرة جاءت هذه القاعدة عن الأفكار. أتمنى لو أن الفكرة عُوملت بنفس الطريقة التي تعامل بها سيارة البي ام دبليو، ضمان خمس سنوات شاملة الفرامل الخ، وبعد الخمس سنوات يسقط الضمان وفي الغالب يميل الكثيرون لاستبدالها قبل انتهاء ضمانها، تخيل لو أن عالم الأفكار يتجدد بتلك الطريقة ولا اتكلم عن كل الأفكار فليس منا من يجدد حياته برمتها في خمس سنوات ولكني اتكلم عن تلك الأفكار التي هي بحاجة للتجديد والتغيير

لماذا عندما تبلى الملابس وتتكسر نتوجه لشراء الجديد منها، لماذا أسلوب أبي في الثياب لم يعد يناسب جيلنا، ونستهجن من يقوم بتلك الفعلة، لماذ الطربوش كان عُرفاً وأصبح فناً وتراثاً ينتمي لحقبة معينة ولا يجوز بحال من الأحوال أن ألبسه الان الا اذا كنت أمثل في مسرحية تعود لتلك الحقبة، حتى "البطّولة" وهو غطاء لوجه المرأة في منطقة الخليج العربي ولا زالت تلبسه جدتي حفظها الله، تستنكره أمي ورغم تقدم أمي في السن الأ أنها دائما ما تدافع عن حقها بعدم لباسه بحُجة "أنني لست عجوز"وقس هذا في المقابل على عالم الأفكار، كم هي الأفكار التي تنتمي لمرحلة الطربوش و"البطّولة" ولا يزال الكثيرون يؤمنون بها ولا يريدون أن يتحملوا عناء الرحلة الى الخياط"المفكر" لتفصيل الجديد وما هو ملائم. لعل انتشار الأفكار الجديدة في مجتمعاتنا لم يصبح بعد "موضة" كما هو حال الثياب، ولكنني أصدقكم القول أن هناك موضة بين الشباب حتى في عالم الأفكار. بدأت بموضة الدورات ومن ثم موضة البرمجة العصبية والان موضة الورش والشبكات الاجتماعية ورغم انتشار موضة وسائل توصيل الأفكار الى أن كثير من تلك الأفكار لم تتطور بعد ولا زالت بحاجة الى قفزة تشبه قفزة "الخمس سنوات ضمان" فوكالات السيارات تحد نفسها بمدة معينة من السنوات ومن بعد تغير نموذج السيارة لتُشجع العميل على اقتنائها فمن لسوق الأفكار

الكثير لا يجد لما أقول من جدوى، لأنه يعلم بأن من يقتني سيارة جديدة يعكس قيمة مادية لدى الناس بأنه ربما ذو منصب، أو وجاهة أو مقتدر، ولكن من الذي يحكم على تلك الأفكار بنفس الطريقة. بمعني لو أنني ظللت استخدم سيارتي تلك التي اقتنيت منذ ١٩٩٨ لوُصفت بالبخل والشح وكل تلك الألقاب والصفات البذئية، ولكن مع ذلك ترى أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بأفكار بالية لم تعد تصلح لهذا الزمان لا يُواجهوا بنفس تلك المواجهة ، ولكن ما الخطر من اقتناء الأفكار القديمة، تلك التي آمن بها أبي ومن قبله جدي وأصحابهم ومجتمعهم ، لماذ نحتاج الى تغيير كل تلك الأفكار، ولماذا نعد تغييرها خرقاً لمُقدس، او تحريفاً لمُنزل، وهل هناك حاجة..ولعلي اواجه تلك الأسئلة باسئلة أخرى وليس المقام مقام اجابتها ولكنه مقام طرح بعضها، هل نحن متخلفون، أو لعلي أعيد طرح السؤال لأن البعض يتحسس كثيراً من هذه الصفة، هل نحن متقدمون، لماذا تخلفنا، متى تقدمنا؟ ولماذا تقدمنا؟ما هي وسائل التقدم؟ كيف لنا أن نعيد تفعيلها، تجديدها واعادة استخدامها لكي نتقدم، ما الذي قام به من تقدم لكي يتقدم ولم نقم به نحن؟

اشكالية كبرى، عندما نعيش في القرن الواحد والعشرين بأفكار تبعث على الحقد والبغض بين أطراف لم يكن لهم أي دخلٍ فيما حصل في الماضي والأدهى والأمر أنهم لا يزالون يعيشون على نفس الوتيرة من البغض والحقد بل هي أشد، وكأن الأفكار القديمة تلك حُرفت لمصلحة طرف معين ليزداد الصراع فيزداد ذلك الطرف فائدةً،وما لمحته بأن كل من يخالف تلك الأفكار العقيمة محاولاً أن يجددها يُطرد من ذلك الحزب او تلك الجماعة. الاشكالية عندما تُستخدم أفكار قديمة وتُعطى شيء من القداسة بحيث يصبح المخالف لها خارج من دائرة المرغوب فيهم في المجتمع وهنا تقع مجموعة من الأسئلة، لمصلحة من وُضعت هذه الأفكار، ما نوعية الصراع الذي خلقته، من المستفيد من هذا الصراع وكيف يتم توظيفه لتحقيق هدف معين. سمعنا عن حوار الأديان وكيف صُرفت مبالغ لتجميع تلك الوفود مرات ومرات ولكن ما لمسناه على أرض القاهرة من توحيد لصفوف المصريين مسلمين كانوا أو مسيحين جعلنا نُراجع أنفسنا كثيراً، ما سمعناه عن هضبة الجولان وأنها أرض ملئ بالألغام لنكتشف بعد ذلك بأن خالية من أي لغم واُستخدمت قصة اللغم لتخويف الناس جعلنا نتساءل، فشل من كنا نعتقد بأنهم يمتلكون الاجابات لمعضلات ونلجأ لهم من أجل وصف الوصفة السحرية لنا وكأنهم يمتلكون عصا موسى جعلنا نتساءل، الزج بالنساء الأحرار في السجون من أجل قضية لا تمس الا حاجتهم ولصق كل الأوصاف البذئية من من يُفترض بهم أن يعلموا الناس الفضيلة جعلنا نتساءل، وما زالت تلك الاسئلة تحلق فوق رؤوسنا من غير جواب آملين أن نستطيع أن نجاوبها، لأنني لن انتظر المخلص كي يجاوبها عني، لن اجعله يظفر بها دوني

اذا كان أبي قد رضي بأن يعيش في جلباب أبيه، فانني لن اعيش في جلباب ابي، ليس لعدم تقديري له او انتقاصاً من قدره فمكانة أبي تتخطى جلبابه، وجلبابه يفنى ويبلى أما شخصه وعقله وعاطفته فباقون، لن ارضى بأن اقدس ذلك الجلباب لا لشيء بل لكونه جلباب أبي، فباضافته لأبي كسب قداسة أبي وهو ليس منه

أتمنى لكم دوام السؤال عن ما ينبغي السؤال عنه

1 comment:

  1. مقال رائع جدا أستاذي..فعلا كم أتمنى أن يغيير الناس أفكارهم كما يغيرون أشياءهم!..للأسف كثيرون بيننا يعتقدون أن الأفكار التي ورثناها من أجدادنا يجب أن لا تتغيير بنظرهم أن التغيير يدل على عدم الأصالة!! ناسين أن اللذين لا يتغيرون هم فقط أصحاب القبور... أسأل الله لنا ولهم التفكير في التغيير و التغيير إلى الأفضل.. سلمت يمناك

    ReplyDelete