Wednesday, September 1, 2010

كن انت السفير الثالث


كثير من الناس يعيش في واقع مصنوع من نسيج ادراكه، ولانعزاله عن ما يدور من حوله رسم لنفسه واقعاً مبنياً على ما يلتقطه من مدركاته ليفسره كيفما يشاء، فترى كل ما يستخلص اليه من نتائج قائم في المقام الأول من ارائه الشخصية وليس تحليلاً واقعياً لما يحصل في عالمه المحيط به، لذا تراه يغرد خارج السرب ويأتي بحلول ليست عملية، يقدم المفضول على الأفضل والمندوب على الواجب ولا يُري الناس الا ما يرى وهذه اشكالية ضخمة خاصةً لمن يتصدر لمسألة اصلاح المجتمعات

اعتقاد في المقام الأول أهمية فهم الواقع، فهم معطياته ، مكوناته وتفاعلات تلك المكونات مع بعضها البعض..فهماً يحتاج الى كثير تحليل وتفكيك وتفسير واعادة تركيب لتتمكن من رؤية الصورة الكلية، واذكر في هذا المقام قصة الملك وسفرائه الثلاث، اذا ارسلهم ليرصدوا حال المدينة فجاؤا ليخبروه كالتالي قال الأول: المدينة على خير حال، اهلها صالحون ، خاشعون ،ذاكرون لله ،وقال الثاني: بل اهلها ضائعون في سكرتهم لاهون ، وجاء الثالث: فقال له الملك بعثت الاول فقال لي كلام عكس ما ذكره الثاني، فأصدقني القول، قال السفير الثالث: اما الاول فذهب الى مناطق الفضيلة فوجد الصالحين واما الاخر فذهب الى مواطن الرذيلة فوجد الفاسدين، ولولا وجود من ادرك الواقع لعُكست للملك صورة غير حقيقية تترتب عليها قرارات مصيرية وفي النهاية لم تحل المشكله، فجمع المعطيات الصحيحة من الواقع اول خطوات فهم لأي ظاهرة، وكما قيل ليست الصعوبة في اجابة الاسئلة، ولكن الأهم أن نجيب على الاسئلة المطلوب اجابتها

النقطة الثانية في فهم الواقع هي ،قواعد الفهم، واعني بذلك ما هي القواعد التي تبني عليها فهمك لما يحيط بك من ملابسات، هل تُحكم العقل، العاطفة ام لك مرجعيه معينه قانونيه كانت او دينية، على ماذا تستند لتحكم على ما يمر عليك، من هم قضاة محكمتك وما هي القواعد التي تبني عليها قراراتك الصادرة عنك والتي تتخذ شكلاً محدداً كسلوك، او موقف او رأي...نعم أعي مدى صعوبة هذه النقطة ولكنها مهمه ان يكون لك منهج في الحكم على الاشياء وترى كثير من المترددين يحكم تارةً بعقله وتارةً بجزء من نص مقتطع عن واقعه وزمانه ومكانه او بعاطفة جياشة غيورة من غير تفكير ولا تدبير... ووجود المنهجية للفهم ليس بالامر السهل فهي تتطلب مذاكرة وقراءة واطلاع وتجديد، فكم من القناعات التي كنا نعتقد انها الحق المطلق اكتشفنا بعد فترة خلاف ما كنا نعتقد

النقطة الثالثة، ادراك قدراتك، جميعنا يدعو الى التغيير ولكن الأهم ان تعلم ما هي قدراتك لكي تعلم ما الذي يمكن ان تغيره،ردود الافعال سهله ويفعلها الجميع ولكنها سرعان ما تخمد، اين هم من تلك القضايا الكبرى التي هزت العالم فترة، تعال على قضية الدرة، الرسوم، المقاطعة الفيضانات والكثير حتى على المستوى الشخصي مالذي حصل لتلك الجذوة المتقدة، ان الانفعال الحاصل الاني ناتج عن الشعور بالفاعلية، الجميع يحب ان يشعر ان لفعله اثر ولكن ما فائدة الاثر اذا كان قصير العمر، ادرك قدراتك لتعلم ما هي نقاط قوتك فتنميها وما هي نقاط ضعفك فتقويها وتساهم في عملية اصلاح وانت مجهز بعقليه استراتيجيه تنمويه تُصلح عيوب نفسها لتصلح مجتمعها

النقطة الرابعة ، الدولة كيان يختلف عن الفرد، كثير منا يتعامل مع الدولة وكأنها فرد، يريد ان يستقطعها من منظومة الدول، لديها مصالح وشعب لترعاه وتلك المصالح يترتب عليها اتفاقيات ومعاهدات وتنازلات احيانا من اجل النفع العام.. ولعلي افرق هنا بين علمين اساسين، علم مقاصد الشريعه وهو الذي يضع القواعد العامة في ضوء الشرع للفرد فيحكم اختياراته بناءاً على تلك القواعد، وهو يختلف تماماً عن علم السياسة الشريعه، وهو الذي يعنى بوضع السياسات الداخلية والخارجية للدوله على ضوء الشريعة ، وللأسف هذا العلم لم يتطور تطور علم المقاصد، فاصبح عامة الناس تحكم على تصرفات دولها من منظور علم المقاصد ويتعامل مع الدولة وكأنها متحكمة بكل قراراتها والوضع اعقد من ذلك بكثير

فخلاصة القول: افهم واقعك، اضبط منهجك ،طور قدراتك ،لا تحكم على المنظمات بعقلية الافراد